الجاحظ

76

رسائل الجاحظ

عليه . وكذلك مكالمة القيان ومفاكهتهن ، ومغازلتهن ومصافحتهن للسلام ، ووضع اليد عليهن للتقليب والنظر ، حلال ما لم يشب ذلك ما يحرم . وقد استثنى اللّه تبارك وتعالى اللمم فقال : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ . قال عبد اللّه بن مسعود ، وسئل عن تأويل هذه الآية فقال : إذا دنا الرجل من المرأة فإن تقدم ففاحشة ، وإن تأخر فلمم . وقال غيره من الصحابة : القبلة واللمس وقال آخرون : الإتيان فيما دون الفرج . وكذلك قال الأعرابي حين سئل عما نال من عشيقته ، فقال : ما أقرب ما أحل اللّه مما حرم اللّه ! [ 24 - الحكم على الظاهر لا الباطن ] فإن قال قائل : فيما روي من الحديث : « فرقوا بين أنفاس الرجال والنساء » ، وقال : « لا يخل رجل بامرأة في بيت وإن قيل حموها ، ألا إن حموها الموت » وإن في الجمع بين الرجال والقيان ما دعا إلى الفسق والارتباط والعشق ، مع ما ينزل بصاحبه من الغلمة التي تضطر إلى الفجور وتحمل على الفاحشة ، وأن أكثر من يحضر منازل القيان إنما يحضر لذلك لا لسماع ولا ابتياع . قلنا : ان الأحكام إنما تقع على ظاهر الأمور ، ولم يكلف اللّه العباد الحكم على الباطن ، والعمل على النيات ، فيقضى للرجل بالإسلام بما يظهر منه ولعله ملحد فيه ، ويقضى أنه لأبيه ولعله لم يلده الأب الذي ادعى إليه قط ، إلا أنه مولود على فراشه ، مشهور بالانتماء إليه . ولو كلف من يشهد لرجل بواحد من هذين المعنيين على الحقيقة لم تقم عليه شهادة . ومن يحضر مجالسنا لا يظهر نسبا مما ينسبونه إليه ، ولو أظهر ثم أغضينا له عليه لم يلحقنا في ذلك إثم .